كيف يحوّل واتساب مليارات المستخدمين إلى أرباح؟
استراتيجية مربحة بعيدًا عن الإعلانات
مقدمة: لغز واتساب الاقتصادي
عندما استحوذت شركة ميتا (المعروفة سابقًا باسم فيسبوك) على واتساب في عام 2014 مقابل 19 مليار دولار، تساءل الكثيرون عن السر وراء هذه الصفقة الضخمة لتطبيق مراسلة لا يحقق أرباحًا مباشرة. اليوم، يضم واتساب أكثر من ملياري مستخدم نشط شهريًا، مما يجعله أحد أكثر منصات التواصل انتشارًا في العالم. ومع ذلك، تظل الإعلانات التقليدية غائبة تمامًا عن تجربة المستخدم. هذا يطرح سؤالًا محوريًا: كيف يحول واتساب هذه القاعدة المستخدمين الهائلة إلى تدفقات إيرادات دون اللجوء إلى الإعلانات المباشرة؟ الإجابة تكمن في استراتيجية متعددة الأبعاد تركز على تحويل واتساب من مجرد أداة مراسلة إلى نظام بيئي متكامل للخدمات المالية والتجارية، مع الحفاظ على الخصوصية والبساطة التي جعلته محبوبًا من قبل المستخدمين.
الاستراتيجية الأساسية: واتساب بيزنس (WhatsApp Business) كبوابة للشركات
1. منصة للتواصل بين الشركات والعملاء
تم إطلاق واتساب بيزنس كتطبيق منفصل موجه للشركات الصغيرة والمتوسطة، يسمح لها بإنشاء ملف تعريف رسمي، وتقديم معلومات أساسية عن الأعمال، واستخدام أدوات رد تلقائي، وإحصاءات تفاعل بسيطة. لكن التطور الحقيقي جاء مع واتساب بيزنس API، الذي فتح الباب أمام الشركات الكبرى للتواصل مع العملاء على نطاق واسع.
مثال عملي:
- شركة باندورا للمجوهرات تستخدم واتساب بيزنس API لإرسال إشعارات بتتبع الطلبات، والرد على استفسارات العملاء، وحتى تقديم توصيات منتجات مخصصة. هذا يحسن تجربة العملاء ويقلل تكاليف خدمة العملاء عبر الهاتف.
- بنك إتش إس بي سي يستخدم واتساب لإرسال تنبيهات حول المعاملات البنكية، وتحديثات الحساب، والتواصل مع العملاء حول العروض الخاصة.
2. نموذج التسعير للشركات
لا يدفع المستخدمون الأفراد أي رسوم، لكن واتساب يفرض رسومًا على الشركات عندما تتواصل مع عملائها. يعتمد نموذج التسعير على **جلسات الدردشة**، حيث تُعتبر كل رسالة يرسلها العميل إلى الشركة، أو ترد الشركة عليها خلال 24 ساعة، جزءًا من "جلسة". تُفرض الرسوم على الشركات بعد رسالة مجانية معينة (مثل أول 1000 رسالة شهريًا). السعر يختلف حسب المنطقة، لكنه غالبًا ما يتراوح بين 0.005 إلى 0.09 دولار لكل رسالة. هذا النموذج يشجع الشركات على استخدام واتساب كقناة اتصال فعالة بدلاً من البريد الإلكتروني أو الهاتف.
الدفع عبر واتساب (WhatsApp Pay): تحويل التطبيق إلى منصة مالية
1. دمج الخدمات المالية في المحادثات
في عام 2020، أطلق واتساب خدمة الدفع عبر التطبيق في عدة دول، بدءًا بالهند والبرازيل. تتيح هذه الخدمة للمستخدمين إرسال واستقبال الأموال مباشرة ضمن الدردشات، باستخدام أنظمة الدفع المحلية (مثل UPI في الهند). الهدف هو جعل واتساب منصة شاملة للتواصل والمعاملات المالية.
مثال عملي:
- في الهند، يمكن للمستخدمين ربط حساباتهم البنكية بواتساب وإرسال الأموال للأصدقاء أو دفع فواتير المتاجر الصغيرة دون مغادرة التطبيق. هذا يشجع على تبني الخدمات المالية الرقمية بين الشرائح غير المتعلمة تقنيًا.
- في البرازيل، يتعاون واتساب مع شركات مثل **سيفرا** للمدفوعات لتسهيل المعاملات للشركات الصغيرة.
2. إيرادات من المعاملات المالية
لا يكشف واتساب عن نموذج رسوم مفصّل للدفع، لكنه قد يحقق إيرادات من خلال:
- رسوم معاملات: نسبة صغيرة من كل معاملة مالية (مثل 0.5% إلى 1%)، خاصة للمعاملات التجارية.
- شراكات مع البنوك ومقدمي الخدمات المالية: قد يتقاضى واتساب رسوم ترخيص أو نسبة من العمولات.
منتجات واتساب للأعمال المتقدمة (Advanced Business Tools)
1. متاجر عبر واتساب (WhatsApp Shopping)
أتاح واتساب للشركات إنشاء كتالوجات منتجات داخل التطبيق، حيث يمكن للمستخدمين تصفح السلصورات، والأسعار، والوصف، ثم طلبها مباشرة عبر الدردشة. هذه الميزة تحول المحادثات إلى متاجر افتراضية، خاصة في الأسواق الناشئة حيث التجارة الإلكترونية غير متطورة.
مثال عملي:
- متجر صغير للورد في مصر يستخدم كتالوج واتساب لعرض منتجاته، ويتلقى الطلبات عبر الدردشة. هذا يلغي الحاجة لموقع إلكتروني مكلف.
- علامة تجارية مثل : نيوكي للملابس في البرازيل تستخدم واتساب للتسويق والبيع المباشر، مع توفير دعم فوري للعملاء.
2. الرموز الترويجية والإعلانات القابلة للنقر (Click-to-WhatsApp Ads)
على الرغم من عدم وجود إعلانات داخل واتساب، تدمج ميتا التطبيق مع منصاتها الأخرى مثل فيسبوك وإنستغرام. يمكن للشركات إنشاء إعلانات على فيسبوك تحتوي على زر "إرسال رسالة"، الذي يفتح محادثة مباشرة مع الشركة على واتساب. هذا يوجه الحركة من منصات ميتا إلى واتساب، حيث يمكن تحويل العملاء المحتملين إلى مبيعات.
مثال عملي:
- شركة سفر في السعودية تنشئ إعلانًا على فيسبوك يعلن عن عروض خاصة، وعند النقر على الزر، ينتقل المستخدم إلى دردشة واتساب مع الشركة للحصول على تفاصيل أكثر. هذا يزيد من فرص التحويل مقارنة بالإعلانات التقليدية.
واتساب كخدمة بنية تحتية للشركات (API as a Service)
1. تكامل واتساب مع أنظمة الشركات
يوفر واتساب واجهات برمجة تطبيقات (API) متقدمة للشركات لدمج الخدمات في أنظمتها الداخلية، مثل إدارة علاقات العملاء (CRM)، والروبوتات الآلية للرد على الاستفسارات، وأنظمة التسويق. هذه الخدمة موجهة للشركات الكبرى التي تحتاج إلى إدارة آلاف المحادثات يوميًا.
مثال عملي:
- شركة طيران الإمارات تستخدم واتساب API لإرسال تأكيدات الحجز، وتذكيرات برحلات، وتحديثات حول أمور الأمتعة. هذا يقلل من عبء خدمة العملاء عبر الهاتف.
- متجر إلكتروني مثل : نون يستخدم واتساب لإرسال تنبيهات بتسليم الطلبات، والرد على استفسارات التتبع.
2. نموذج الإيرادات من API
تدفع الشركات لواتساب رسومًا based على حجم المراسلات، مع خطط تسعير مرنة حسب عدد الجلسات والرسائل. هذا يدر إيرادات متزايدة مع توسع استخدام الشركات للخدمة.
الاستثمار في المستقبل: الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية
1. دور الذكاء الاصطناعي في تحسين الخدمات
تعمل ميتا على تطوير روبوتات دردشة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي داخل واتساب، يمكنها الرد تلقائيًا على استفسارات العملاء البسيطة، مما يخفف العبء على الشركات ويحسن الكفاءة. هذه الخدمات قد تُباع كجزء من باقات واتساب بيزنس المتقدمة.
2. التخزين السحابي المدفوع
في عام 2022، أعلن واتساب عن خطط لتقديم تخزين سحابي للرسائل والوسائط، حيث يمكن للمستخدمين دفع رسوم اشتراك للحصول على مساحة أكبر أو ميزات متقدمة مثل النسخ الاحتياطي التلقائي. هذا النموذج مشابه لخدمات مثل iCloud أو Google Drive.
التحديات والانتقادات
1. الخصوصية والثقة
يواجه واتساب انتقادات بسبب تحديث سياسة الخصوصية في 2021، الذي أثار مخاوف حول مشاركة البيانات مع ميتا. though واتساب يؤكد أن المحادثات مشفرة end-to-end، إلا أن الشكوك قد تؤثر على ثقة المستخدمين والشركات.
2.المنافسة الشرسة
يجب على واتساب التنافس مع تطبيقات مراسلة أخرى مثل : تيليغرام وسيغنال، التي تركز على الخصوصية، بالإضافة إلى منصات متكاملة مثل : وي تشات في الصين، التي تدمج مدفوعات وتجارة إلكترونية بشكل أوسع.
خاتمة: نموذج ربحي يرتكز على القيمة المضافة
خلاصة القول إن واتساب لا يحقق الأرباح من خلال الإعلانات التقليدية، بل من خلال تحويل التطبيق إلى منصة شاملة للتواصل التجاري والمالي. تعتمد استراتيجيته على:
1. الشركات كعملاء رئيسيين: من خلال واتساب بيزنس وAPI، حيث تدفع الشرkes مقابل التواصل مع العملاء.
2. الدمج المالي: عبر واتساب Pay، الذي يفتح باب الإيرادات من المعاملات.
3. التكامل مع نظام ميتا البيئي: باستخدام إعلانات Click-to-WhatsApp لتوجيه الحركة.
4. الخدمات المتقدمة: مثل الذكاء الاصطناعي والتخزين السحابي.
هذا النموذج يضمن بقاء واتساب مجانيًا للمستخدمين الأفراد، بينما يولد إيرادات متزايدة من الشركات التي تستفيد من القاعدة المستخدمين الضخمة. المستقبل قد يشهد المزيد من التكامل مع تقنيات مثل الميتافيرس، مما يعزز دور واتساب كجسر بين العالم الرقمي والحقيقي. النجاح المستمر لهذه الاستراتيجية يعتمد على موازنة الربحية مع الحفاظ على الخصوصية والبساطة التي جعلت واتساب ظاهرة عالمية.
